شمس المعارف بخيت يكتب لـ(الصدى) بمداد الدمع

شمس المعارف بخيت يكتب لـ(الصدى) بمداد الدمع

رحل الطاهر محمد عثمان.. الطلة البهية.. النكتة الحاضرة والإنسانية النادرة

كان خادم الحكام ومؤدباً في طرحه ومن أفضل المحاضرين في مجال التحكيم

 

بابا بابا عمو الطاهر مات؟؟ هكذا وصلني الخبر من ابنائي الذين جاءوا مهرولين إلي ليبلغوني النبأ الاليم، كنت وقتها مستلقياً على اريكة بعد ان عدت من العمل، رفعت رأسي وسألتهم (منو القال ليكم؟) الطاهر كويس.. وقد تحدثت معه قبل أيام.. ولو في اي شيء ساكون اول من يعلم.. اجابوني يا بابا اتصل محمد (وهو قريب لهم) ليبلغك، والطاهر حصل ليهو حادث في شارع المطار والخبر منتشر في مواقع التواصل الاجتماعي.. اذا فالامر اشاعة، حادث ومواقع التواصل الاجتماعي.. هذا ما خطر لي فما اكثر الاشاعات هذه الايام، غير ان ام العيال قالت لي البركة فيكم الخبر حقيقي وقناة النيلين بثت الخبر رسمياً.. قلت لها لعلك غير متأكدة قد يكون اسم على اسم، ردت على انا ما بعرف لو كان الطاهر او اسم على اسم؟! افتحو لي التلفزيون افتحو قنوات السودان، وينو الخبر اريد ان اتأكد ان كان المقصود الطاهر محمد عثمان بدوي فعلاً ام غيره، وجدت النعي في قناة النيلين، في هذه اللحظة فقط بدأت أصدق الخبر، لم استطع القيام من الاريكة، طلبت التلفون للقيام ببعض الاتصالات فوجدت عدة مكالمات فائتة ورسائل عزاء، وما ان امسكت بالتلفون حتى وردني اتصال من شقيقي في سلطنة عمان يعزيني ثم عقبه اتصال من شقيقي الآخر من السودان يعزيني ويقول لي خذ امي عاوزة تعزيك يا الهي!!.. اذا فالأمر حقيقة كل هذا ولم تتجاوز الساعة الرابعة بتوقيت السودان والخبر عند الكل وليس الخاصة فالطاهر حق الكل.

تعرفت إلى الطاهر في بداية الثمانينات من القرن الماضي، وكنت قد التحقت بجهاز التحكيم ووقتها بدأ الطاهر نجمه يسطع وبرقه يلمع، شاب انيق الهندام بهي الطلعة يلقاك بالتهليل وبابتسامته التي لا تفارق شفتيه، يذهب عنك الحزن ويبعث فيك البهجة، كان هذا انطباعي منذ الوهلة الاولي بل هذا انطباع كل من يلتقيه.

الطاهر محمد عثمان6تميز الطاهر بانه كان دائم الحوار والنقاش مع فطاحلة التحكيم امثال عبيد ابراهيم وحسن عبد الحفيظ لهما الرحمة والاستاذ محمد الامين بابكر اطال الله عمره وهولاء يمثلون جيل العمالقة، كان مؤدبا في طرحه لفكره وفي اختلافه، اذكر انه ورفيق دربه السر محمد علي كانا حين يختلفان حول فهم مسالة ما او يختلفان مع الكبار يوقفون النقاش امام عامة الحكام ويواصلون النقاش على انفراد حتي لو اضطروا للذهاب الى منزل عبيد ابراهيم لاستكمال الحوار هناك،  هكذا كان مؤدبا وهكذا كان محاورا ومهتما بفهم قوانين التحكيم ومتابعتها، الأمر الذي أهله ليكون افضل المحاضرين والخبراء في هذا المجال.

عندما التقيته وجدت فيه مثال الحكم الذي يحتذى، وبالفعل فالطاهر صاحب مدرسة خاصة في التحكيم فهو صديق للاعبين في الملعب ويقدم الكروت مبتسماً.. وهو صديق الاداريين خارج الملعب في وقت كانت فيه العلاقة مع الاداريين من المحرمات، وقد عاني في ذلك ما عانى وبمرور الوقت اصبحت طريقته هي المنهج الحديث لادارة المباريات، والعلاقات الاجتماعية مع الاداريين وغيرهم من الرياضيين لا تؤثر في اداء الحكم بل بالعكس تساعد الحكم في انجاز مهمته، ولذلك كانت توكل للطاهر اهم المباريات، مباريات الصعود والهبوط، مباريات البطولات والتتويج، المباريات ذات الحساسية العالية، وكان يجيد في الملعب ويخرجها لبر الامان.

الطاهر كان خادم الحكام فهو الذي يتولى شؤونهم الخاصة والعامة ويساعدهم في حلهم وترحالهم ويقدم لهم النصائح والتواصل مع الجهات الخارجية مثل الاتحاد الافريقي والاتحادات الافريقية والعربية لانه يتمتع بعلاقات واسعة خارجيا وداخليا.

الطاهر علاقاته ممتدة داخل اسر الحكام فهو صديق الصغار والكبار وصديق لاخواننا واخواتنا وامهاتنا، وهو خادم الحكام وغير الحكام فلا يخلو بيت من بيوت الحكام لم يقدم لهم الطاهر خدمة، فهو يتفقدهم ويزورهم ويودعهم ويستقبلهم في المطار، وييسر حجزهم واتصالاتهم وكل امر مستعصي فهو محلول عند الطاهر. كانت حياة الطاهر كلها خدمة للمجتمع الرياضي، وغير الرياضي، فالطاهر موجود في كل مناسبة، وفي كل مكان، تجده في الأفراح مؤانسا وفي الاتراح معزيا ومواسيا، ولعل صورته التي انتشرت في المواقع وهو يجلس على الارض يدعو ويترحم تحكي عن حقيقة ما كان يفعل.

الطاهر كان حضوراً دائماً في المناسبات والمهرجانات الرياضية, فلا تخلو مناسبة من الطاهر ولا تحلو الا بوجوده.

كانت للطاهر جوانبه الانسانيه مع اهله وجيرانه ومع من يعرفهم ومن لا يعرفهم، فكم طالب محتاج حل قضيته الطاهر وكم اسرة فقيرة لم تقدر على دفع الايجار حل مشكلتها الطاهر، وكم وكم وكم؟؟، وما يدهشك تصديه لمشاكل لا ناقة له فيها ولا جمل،  كل ذلك في صمت ونكران ذات وبابتسامة عريضة وبدون ضيق.

الطاهر رجل مجتمع من الطراز الأول فهو بارع الانس ومستحيل ان تعدم به انساً، ففي كل مناسبة له قصة وعنده حكاية فكان ينشر الفرح في كل جلسة نكتته حاضرة وقصصه ثرة وحكايته حكاية.

ولهذا احبه الحكام واسرهم، احبه كل اهل الرياضة احبه الاهل والجيران واحبه الله لان (احبهم الى الله انفعهم الى عياله).

افنى الطاهر كل حياته في خدمة المجتمع الرياضي والرياضيين لآخر لحظة وبخاصة الحكام، فقد كان شيخهم ومعلمهم، حكى لي الاخ صلاح أن الطاهر في يوم رحيله كان معه في المكتب منذ الساعة العاشرة وحتى الثانية عشرة ظهرا وكان قد اعد للحكام التعديلات الجديدة في قانون اللعبة ويحضر للمحاضرات، واتفق معه على إكمال العمل في اليوم التالي وتحرك نحو مكاتب لجنة الحكام بشارع البلدية ورفض حتى تناول الافطار بحجة انه يريد إكمال التحضيرات، ثم التقى بالنجومي في مكتب الحكام، وهناك تحدث للأخ عبد الرحمن عبد الرسول عن الدورة الرمضانية للمؤسسات التي شارك في تنظيمها 14 عاما متتالية، ثم  غادر الى البيت وفي الطريق حدث ما حدث، فكان الاتصال بالاخ عبدالرحمن عبدالرسول باعتباره آخر المكالمات المسجلة، وكان الله في عون اخينا عبدالرحمن الذي أوصل الخبر للنجومي الذي كان الطاهر بجانبه منذ لحظات والذي ابلغ الأخ صلاح الذي لم يصدق، كل هؤلاء الرياضيون اسرة الطاهر الكبيرة وصلها الخبر اولا ثم بعدها نقل الخبر لأهله وأسرته الصغيرة، كان الله في عونهم، وعون الحكام فقد كان آخر ما قام به المرحوم عملاً من أجل الحكام ومن أجل الرياضة وتنظيم الدورة الرمضاينة.

هكذا كانت حياة الطاهر كلها رياضة في رياضة.. وكنت قد شاركته تنظيم الدورات الرمضانية السابقة كلها.. وكان انشطنا واكثرنا حركة ولم يكن يكتفي بتنظيم تلك الدورة الرمضانية لوحدها فكنا نتفاجأ بالطاهر منظما لدورة أخرى مثل دورة المصارف ويقضي الليل والنهار في هذا العمل.

اجتماع الدورة الرمضانية الأخير غاب عنه الطاهر لأول مرة ، كان الله في عون الاستاذ احمد اسماعيل زمراوي رئيس الاتحاد الرياضي لمواقع العمل وكان الله في عونك اخي حاتم حسن بخيت رئيس اللجنة المنظمة وكان الله في عون اخي شوقي عبد العزيز وصديقه العزيز عباس جميل وناجي سعد العوض وعصام عبدالله حامد ومعتصم رحمة والاخ حامد والاخ الامين وجميع منظمي الدورة الرمضانية، كان الله في عونهم اجمعين.

العزاء لأسرة الطاهر المكلومة للأخ قمر وللأخ بدوي ولأسرة الحكام المفجوعة وللرياضيين في كل مكان الذين ضربوا اروع مثال في عزاء الطاهر فقد أقيم العزاء في الدوحة وجدة و دبي والشارقة وابوظبي والعزاء الحار للاخ كمال ولصديقه الكابتن جميل ولكم ولنا الصبر الجميل.

 

شمس المعارف بخيت 

 

مقالات ذات صله